عربي ودولي

الكشف عن أسرار الحضارة النبطية بصحراء العلاء بالسعودية

توصل علماء آثار قاموا بإجراءات مسح أثري في أحد المناطق بالمملكة العربية السعودية للكشف عن حضارة ازدهرت هناك، وهي الحضارة النبطية والتي لم يتم الكشف عنها على الرغم من تركها العديد من الآثار.

أصبحت “صحراء العلا” بالمملكة العربية السعودية التي تتميز بـ ليلها الحالك مصدر جذب للعديد من علماء الآثار، حيث ازدهرت بها الحضارة النبطية قديماً ابتداءً من القرن الأول قبل الميلاد واستمرت قرابة 200 عام، وتعرف صحراء العلا في السعودية بأنها مقصد دارسي الأجرام السماوية بسبب بعدها عن أي تلوث ضوئي.

على الرغم من أن النبطيين قد أداروا امبراطوريتهم من العاصمة الخاصة بهم التي كانت بمدينة البتراء في الأردن، إلا أنهم قد أقاموا مدينة حجرية “مدائن صالح خلال الوقت الراهن”، بمنطقة صحراء العلا بالمملكة العربية السعودية، والتي كانت بمثابة العاصمة الثانية لهم.

أعلن علماء آثار عن اعتزامهم إجراء أول تنقيب أثري بمنطقة تعادل مساحتها مساحة بلجيكا، وقد احتلت الحضارة النبطية منطقة شمال شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى منطقة جنوب بلاد الشام.

يتم إجراء عمليات التنقيب الأثري في مدائن صالح، ومواقع نبطية أخرى منذ فترة على يد مجموعة من خبراء الآثار السعوديين، ومن بينهم المحاضر في جامعة الملك سعود بالرياض عبدالرحمن السحيباني.

صرح عبدالرحمن السحيباني، “كنت أركز خلال الوقت السابق على الحضارتين اللحيانية والدادانية، خلال الوقت الراهن فإن الهيئة الملكية للعلا تعمل من منظور يعد أوسع من أجل فهم أكبر لكيفية تطور المجتمعات خلال التاريخ المبكرة في تلك المنطقة”.

وأشار إلى أن الهيئة قامت بوضع أحدث التقنيات، تحت تصرف خبراء الآثار في الموقع، وأضاف تتميز خاصية “جوجل إيرث”، والعين المجردة المدربة للصخور الطبيعية في تلك المنطقة عن وجود تدخل بشري، حيث أن الطائرات الخفيفة المزودة بكاميرات متخصصة عملت على توفير أكبر التفاصيل الممكنة عن تلك المنطقة التي تتضمن وادي العلا بالإضافة إلى الوديان المحيطة.

وبحسب التصريحات التي أعلنتها عالمة الآثار الأمريكية الجنسية ربيكا فوت، وهي المسؤولة عن التنقيب لحساب الهيئة الملكية بالعلا، وأوضحت أن الجهود السابقة قد ركزت على الحفريات، حيث أن التنقيب الأثري الشامل قد يتطلب الكثير من الوقت، والعديد من الموارد التي تم إتاحتها خلال الوقت الراهن.

أشار ربيكا فوت أنها تعتقد أن تلك الدراسة الأثرية سوف تضع المملكة العربية السعودية على خريطة التاريخ القديم حيث يقوم خبراء الآثار بدراسة منطقة صحراء العلا.

وأضافت العالمة الأمريكية، “نعرف الكثير عن الفترة بين الألف الأولى، والثالثة قبل الميلاد، نعرف الكثير عن التاريخ المصري القديم، و ميزوبوتاميا “بلاد الرافدين” وبالمقارنة فإننا لا نعرف سوى القليل عن شبه الجزيرة العربية خلال فترة التاريخ القديم، فكيف ستؤثر اكتشافاتنا الآثرية على فهمنا للتاريخ القديم، لا نعرف بعد، ولكن من المحتمل أنها سوف تعيد تشكيل رؤية العالم بالتاريخ القديم”.

قضت ربيكا فوت سنوات عديدة تعمل بالبتراء، المدينة القديمة بالأردن، والتي مازالت تمثل أشهر أثر قد خلفته الحضارة النبطية. وأشارت “إن المسح الجوي هام من أجل اكتشاف المواقع غير التقليدية”، وأكدت أن الأمر تطلب سنوات عديدة من أجل اكتشافها”، وأضافت، “إن التكنولوجيا الحديثة تعمل على توفير رؤية شاملة يمكن الاعتماد عليها، فلم يحدث شيء من هذا القبيل وعلى هذا النطاق فيما سبق”.

ويجدر هنا الإشارة إلى أن هناك بعثة فرنسية قد اكتشفت خلال وقت سابق شبكة طرق لتجارة البخور غربي بالسعودية التي كانت تمر بصحراء العلا، وتريد العالمة الأمريكية ربيكا فوت أن تبني على تلك المعلومات، وأن تعرف أكثر عن دور المياه خلال فترة ازدهار تلك المنطقة.

وعلقت ربيكا فوت، “يمكننا أن نخمن أنه كان لديهم اقتصاد زراعي ناجح، ولكن هل كانت هناك ضرائب على البخور؟ وكيف أداروا مواردهم المائية؟”.

وأكدت أنه في حين الشروع في إجراء الدراسات الهيدرولوجية سوف يتم الرد على كل تلك التساؤلات، والتي يعود الفضل فيه طرحها إلى الفريق الجوي، الذي قد ساعد في العمل على تحديد تلك مواقع بعينها.

بدء فريق التنقيب الجوي، الذي عمل على تحليل الصور الجوية، وذلك تحت قيادة جيمي كوارترمين، من جامعة أوكسفورد البريطانية، بالعمل على تغطية نصف المواقع المستهدفة، التي يبلغ عددها حوالي 11500 موقع أثري بطائرات خفيفة مزودة بكاميرات متخصصة حيث حلقت تلك الطائرات على ارتفاع يتراوح بين 2000 إلى 3000 قدم. ويجري مثل هذا العمل في الغالب من أجل ضمان عدم إشادة أبنية حلال فترة المستقبل قرب المواقع الأثرية، ويعرف تم مسمى “المسح الوقائي”.

صرح جيمي كوارترمين، “تعلمنا من الأخطاء السابقة التي تم ارتكبتها بدول أخرى، ونحاول أن يتم تجنبها هنا للحيلولة دون وقوع أي أضرار”.

وتقدم تلك الدراسة الاستطلاعية، العديد من الإجابات من قبل المتخصصين بمجالات متنوعة مثل فن نحت الصخور، فمنذ 5 أعوام لم يكن “الجي بي إس”، بشكل دقيق بما يكفي لهذا الغرض، لكن اليوم يتم استخدام كافة وسائل التصوير الفوتوغرافي، بما في ذلك “الطائرات المسيرة، والكاميرات المعلقة أسفل الطائرات الخفيفة”، إلى جانب استخدام أحدث تكنولوجيا التصوير الجوي”حسب التصريحات التي أعلنها جيمي كوارترمين.

يعد إنتاج صورة معدلة كل ثانيتين أو ثلاثة ثواني يعمل على توفير آلاف من الصور التي تعمل على قياس الأبعاد الحقيقية، فهذا يعد كنزاً للطبوغرافيين، حيث يقوم المتخصصون بالعمل على دمج تلك الصور بدرجة عالية الوضوح تعمل على كشف أدق تفاصيل الخاصة بالمشهد، حيث تم وضع الكاميرات بزاوية “45 درجة مئوية”، أسفل الطائرات، وقد تم العمل على اكتشاف العديد من المواقع الخاصة بالدفن، والمشاهد جنائزية خلال العصر البرونزي حتى الوقت الراهن.

وأوضح جيمي كوارترمين أن هذا يعمل على توفير رؤية كاملة المشهد بشكل واضح من الناحية الأفقية، ومن الناحية الرأسية أيضاً، كما سيمكننا من الكشف عن بعض مواقع فن النحت الحجري”.

سيتم إرسال المرحلة النهائية من الدراسة سيتم إلى فريق متخصص، مثل ماريا جواجنين خبيرة فن النحت على الصخور، التي قضت 5 سنوات بشكل فعلي بشمال غرب الجزيرة العربية، وقد أعربت الخبيرة عن انبهارها بالبيانات الكبرى التي صارت متاحة عن تلك الفترة الزمنية.

وأوضحت ماريا جواجنين، “لأول مرة نتطلع إلى المشهد الأثري بكل جوانبه، وتعتمد معلوماتنا على توزيع أنواع الحيوانات خلال تلك فترة ما قبل التاريخ وعلى مواقع الدراسة الأثرية من الجو، و مواقع العصر الحجري”، وتابعت حديثها، “كان من المعتقد أن هناك العديد من الحيوانات التي لا أثر لها بشبه الجزيرة العربية، ولكن لوحات الفن الحجري قد أظهرت عكس هذا”.

حيث أن وجود أنواع من الثدييات المرسومة على الصخور بصحراء العلا يعمل على توفر العديد من المعلومات التي لها علاقة بانتشارها، وطريقة حياة تلك الثدييات، والغذاء الذي كان متاحا لها من خلال المشاهد المتاحة لفترة ما قبل التاريخ.

وأشارت إلى أن رسوم الحيوانات تساعد في العمل على تحديد التواريخ الزمنية، فقد كان من المستبعد مثلا وجود فرسان يمتطون الخيول أو وجود الجمال خلال فترة ما قبل 1200 عام، حيث كانت الماشية المدجنة من ماعز وخراف قد عرفتها شبه الجزيرة العربية ما بين عامي 6800 و6200 قبل الميلاد، كما كانت بلاد الشام قد عرفتها أولاً، ومنها قد تم انتقالها إلى شبه الجزيرة العربية فتلك هي إحدى وسائل تحديد التاريخ حيث من غير المرجح وجود حيوانات في تلك المنطقة خلال هذا التاريخ.

ومن المعين أن تؤدي تلك المعلومات المتوافرة بشكل غزيرة التي سيحصل عليها فريق بحث صحراء العلا الدولي للكشف عن الطرق التي ربطت بين البتراء، ومدائن صالح.

قام عبدالرحمن السحيباني بعمليات حفر للعديد من السنوات بـ “دادان”، وهو موقع يدل على وجود حضارة سابقة لـ حضارة النبطيين، حيث أعلن، “إن الأمر قد يستغرق أجيالا لتظهر نتيجة لهذا العمل البحث، مما يجعل هذا العمل هاماً على الصعيد العالمي أنه لا يقتصر على البتراء ومدائن صالح فقط بل تضمن الحضارات السابقة الغير المعروفة لنا”.

ومن بين المهام المناط إلى عبدالرحمن السحيباني هو العمل على تدريب طلاب جامعة الملك سعود بموقع بصحراء العلا، حيث أعلن، “إنهم يتعلمون في إطار أحد أهم دراسات التنقيب الاستكشافي، حيث أن طلاب اليوم قد يتوصلون لاكتشافات لا يمكننا تخيلها”.

الحضارة النبطية

تعد البتراء في الأردن هي عاصمة النبطيين في البتراء، حيث سكنوا في المناطق الشمالية لشبه الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام، وتم اتخاذ البتراء عاصمة للنبطيين، ولكن مدائن صالح بالمملكة العربية السعودية كانت مركزاً هاماً أيضاً، حيث كانت طريقتهم بالهندسة المعمارية متأثرة بـ “ميزوبوتاميا واليونان”، حيث كانوا ينحتون مقدمات القبور والمعابد، وهناك العديد من الأمثلة على فن الغرافيتي، إلى جانب الرسوم النبطية ولكن لا توجد أي نصوص دالة على تلك الحقبة التاريخية، وقد انتهي وضع النبطيين كدولة مستقبلة بعد غزو الأمبراطور الروماني.

أقرا المزيد “الآثار” تعلق على اكتشاف تابوت فرعوني في المريخ: “مش منطقي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى